الشريف الرضي

258

المجازات النبوية

( أحدهما ) أن يكون عليه الصلاة والسلام إنما نهى عنه ، لان الخيل ربما رعت الأكلاء ( 1 ) والأشجار ، فنشبت ( 2 ) الأوتار التي في أعناقها ببعض شعب ما ترعاه من ذلك ، فخنقتها أو حبستها على عدم المأكل والمشرب حتى تقضى نحبها . ( والوجه الآخر ) أنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها حمة عين العائن ( 3 ) وشرارة نظر المستحسن ، فيكون كالعوذ ( 4 ) لها ، والاحراز عليها ، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يعلمهم أن تلك الأوتار لا تدفع ضررا ، ولا تصرف حذرا ، وإنما الله سبحانه وتعالى الدافع الكافي ، والمعيذ الواقي . ومما يقوى هذا التأويل ما روى من أمره عليه الصلاة والسلام بقطع الأوتار من أعناق الخيل . ولتقليد الخيل وجه آخر ، وهو أن العرب كانت إذا قدرت وظفرت قلدت الخيل العمائم . وذكر أن معاوية بن أبي سفيان لما تغلب على الامر ودخل الكوفة بعد صلح الحسن بن علي عليهما السلام فعل ذلك بخيله ، فقالت أم الهيثم بنت الأسود :

--> ( 1 ) الأكلاء جمع كلا : وهو الحشيش الذي ينبت في الأرض فترعاه الخيل . ( 2 ) نشبت : أي اشتبكت وتعلقت . ( 3 ) العائن : الحاسد ، وحمة عينه : أثر عينه الحامي . ( 4 ) العوذ جمع العوذة : بضم العين وفتحها مع سكون الواو ، التميمة التي توضع لافساد أثر الحسد ، والاحراز : جمع حرز بكسر الحاء وسكون ، الراء وهو هنا بمعنى العوذة السابقة ، فهو من عطف المرادف .